النويري
58
نهاية الأرب في فنون الأدب
ويقول : لا بد أن أمكَّنك من الأعز ، وهو لا يزداد إلا غضبا وإساءة في الجواب . فإذا عاد رسول السلطان إليه ، لا يمكنه مخاطبته بما قاله الصاحب ، ويغالط في الجواب . فأرسل السلطان بعض الأمراء إلى الصاحب برسالة ، ومعه أحد مماليكه ، وقال له احفظ ما يقوله الصاحب ، وأعده علىّ . فكان من جملة قول الصاحب : واللَّه لا كتبت والأعز يكتب معي أبدا . فعند ذلك ، خرج السلطان على ابنه الكامل وانتهره ، وأغلظ في القول ، وقال : يسلَّم الأعز إلى الصاحب في هذه الساعة ! . فلما عاد الكامل إلى القلعة ، تلقاه الأعز على عادته . فقال : قد أمر السلطان بتسليمك للصاحب ، وخرج علىّ بسببك ، وعجزت عن حمايتك . فقال له الأعز : يا مولانا ، واللَّه عداوتى للصاحب بسببك ! وهو أنه كاتبنى في حقك أنه لا بد أن يعمل على صرفك من مملكة الديار المصرية ، وأن يجعل عوضا عنك الأشرف موسى . وهذه كتبه إلىّ . فلما وقف الكامل على الكتب كان من جملة ما تضمنته : « وأما هذا المجنون - يشير إلى الكامل - فلا بد من صرفه ، وإحضار الأشرف إلى الدّيار المصرية » . وتضمنت من سبه وشتمه كثيرا . فعاد الكامل للعادل ، والكتب معه ، وجاء في غير الوقت المعتاد . فقال له العادل : ما جاء بك الآن ؟ فقال : هذا الصاحب يريد أن يوقع بين السلطان وأولاده ، وبين الإخوة . هذه كتبه للأعز ، وعداوته بسببها . فلما وقف العادل عليها ، عظم عليه سبه لابنه - وكان العادل يدارى جميع أولاده ، خوفا أن يقوم أحدهم عليه ، فتنخرق حرمته - فقال نعزله ، ولا يسلَّم إليه الأعز . ويكتب الأعز وحده .